السيد عباس علي الموسوي
316
شرح نهج البلاغة
تعترض طريقهم يسهلها أملهم في الوصول إلى ذلك المرتع الخصيب وهذا هو حال من آمن بالآخرة وسعى لها سعيها في الدنيا ، أما من كانت الدنيا همه وشغله فإنه مثل الذين يسافرون من منزل خصيب إلى منزل جديب فإنه يتحول من الرخاء والنعيم إلى الشقاء والجحيم فجدير بمن يعرف نهايته ومستقره أن يختار الصالح له وما يحقق له سعادة المنقلب وحسن الخاتمة . . . إن تشبيه الدنيا قد ورد على لسان الأنبياء والأئمة والصالحين ونحن سنستعرض بعض تلك التشبيهات كي يتفكر فيها القارئ الكريم ويحللها في ذهنه ويخلو فيها مع نفسه ليجد صحة ذلك ويأخذ العبرة والعظة منها . . . ذكر صاحب كتاب جامع السعادات . قد شبه بعض الحكماء حال الإنسان واغتراره بالدنيا وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال وانهماكه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات بشخص مدلّى في بئر مشدود وسطه بحبل وفي أسفل تلك البئر ثعبان عظيم متوجه إليه منتظر سقوطه فاتح فاه لالتقامه ، وفي أعلى تلك البئر جرذان أبيض وأسود لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا ولا يفتران عن قرضه آنا من الآنات . وذلك الشخص ، مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا . قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدران تلك البئر وامتزج بترابه . واجتمعت عليه زنابير كثيرة وهو مشغول بلطعه ، منهمك فيه ، ملتذ بما أصاب منه ، مخاصم لتلك الزنابير عليه ، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته ، فالبئر هي الدنيا والحبل هو العمر والثعبان الفاتح فاه هو الموت ، والجرذان الليل والنهار القارضان للعمر ، والعسل المختلط بالتراب هو الذات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها . . . وروي أنه يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوهّ خلقها ، فتشرف على الخلائق ويقال لهم : تعرفون هذه . فيقولون : نعوذ باللهّ من معرفة هذه فيقال : هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها ، وبها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم وأغررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادي : أي رب أين أتباعي وأشياعي فيقول اللّه عز وجل : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . إن هذه الدنيا لم يجعلها اللّه من حظ أنبيائه ولم يجعلها أجر جهادهم وأتعابهم ، ويكفي هذا ذما لها ، وأن لا يتخذها الإنسان هدفا له في حياته . . . ( يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك